مجموعة مؤلفين

106

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

التعمق في الفكر والنظر ، وذلك أنهم قالوا : إن العلم بأن الشيء سيوجد نفس العلم بأنه موجود أو وجد ، فإن عنوا به أن صفة العلم حقيقة واحدة موجودة في حد ذاتها قائمة بذات الواجب ، وبها يعلم أنه سيوجد وموجود ووجد ، فلا يصير جوابا ، وإن أرادوا به اتحاد التعلق من حيث هو ، فكذلك لا يصير جوابا ، وإن أرادوا اتحاد مفهومات التعلقات الثلاثة من حيث خصوصياتها يوجد وموجود وسيوجد فهو مصادمة للبديهة . وبقي توجيه وجيه إن أرادوه فهو الحق الصريح ولم نجده إلا في كلام الشيخ رضى اللّه عنه وأتباعه غير أنه في آخر الأمر حيرة وأظنها واللّه أعلم محمودة ؛ لأنها تنبئ عن مقام « سبحانك ما عرفناك حق معرفتك » « 1 » ، « رب زدني فيك تحيرا » « 2 » ، « العجز عن درك الإدراك إدراك » « 3 » وذلك نهاية مقام العارفين ، وهو أنه قد ثبت عند أهل العلم بإجماع أئمة أهل السنة على أنه تعالى يعلم الجزئيات أزلا بوجه جزئي ، وبذلك نطق الكتاب والسنة ، فنقول : صور المعلومات المرتسمة في الحضرة العلمية إما أن تطابق الموجودات الخارجية من جميع الوجوه أو لا ، فإن طابقت فهو المراد ، وإلا فتكون مجهولة عنده من حيث عدم تلك المطابقة ، فلا يصح في حقه أنه يعلم الموجودات من جميع الوجوه ، والحال أنه يعلمها من جميع الوجوه ، فلزم المطابقة من جميع الوجوه . فإن قلت : المطابقة من جميع الوجوه إنما تصح بعد حذف الشخصيات .

--> ( 1 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 2 / 410 ) . ( 2 ) إشارة إلى حديث « اللهم زدني فيك تحيرا » ذكره السادة الصوفية في كتبهم كالشيخ الأكبر في الفتوحات ( 1 / 304 ، 305 ) ، والشعراني في الميزان الذرية . ( 3 ) هو قول مشهور عن الصديق رضى اللّه عنه .